الشيخ محمد علي طه الدرة

675

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فقالوا : نتوب إلى اللّه ، ونذر ما بقي من الرّبا ، فتركوه كلّهم . ذكره ابن جريج ، ومقاتل ، والسدّيّ . وخذ ما يلي : فعن عبادة بن الصامت - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يدا بيد » . أخرجه مسلم ، رحمه اللّه تعالى . فنصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على جريان الرّبا في هذه الأشياء الستّة . هذا وأما ( ذر ) فهو بمعنى : أعرض ، واترك ، والمستعمل من هذه المادة : المضارع ، والأمر فقط ، ومثله : ( دع ) ومضارعه : يدع ، فكلا المادتين ناقص التصرّف ، وهما بمعنى الترك والإعراض ، وقد سمع سماعا نادرا الماضي منهما . فقالوا : ودع ووذر بوزن وضع ، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال ؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم ، وليس المعنى : أنهم لم يتكلموا به البتة ، بل تكلموا به دهرا ، ثمّ أماتوه بإهمالهم استعماله ، فلمّا جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب ؛ وجدوه مماتا ، إلا ما سمع منه سماعا نادرا ، فقد قرئ قوله تعالى في سورة ( الضّحى ) : ( ما ودعك ربّك وما قلى ) بالتّخفيف ، وقال الشاعر : [ الطويل ] وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر * فرائس أطراء المثقّفة السّمر وقال آخر : [ الرمل ] ليت شعري يا خليلي ما الّذي * نما له في الحبّ حتّى ودعه وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « دعوا الحبشة ما ودعوكم » . وسمع المصدر منه في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو لأحرّقنّ عليهم بيوتهم » أي : عن تركهم إيّاها ، وسمع منه اسم الفاعل ، واسم المفعول في أبيات من الشعر ، قال خفاف بن ندبة - رضي اللّه عنه - : [ الطويل ] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه * جرى وهو مودوع وواعد مصدّق هذا رأي أكثر النّحاة . وقال محبّ الدين الخطيب شارح شواهد الكشّاف - رحمه اللّه تعالى - : فقد رويت هذه الكلمة ، أي : ( دع ) عن أفصح العرب - يقصد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم - ونقلت عن طريق القراء ، فكيف تكون إماتة ؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار ، وما هذه سبيله ، فيجوز القول بقلّة الاستعمال ، ولا يجوز القول بالإماتة ، وأضيف : إن كثيرا من النّحاة يقولون في ماضي : ( عم ويعم ) ما قيل في ماضي ( دع ، وذر ) وخذ قول امرئ القيس وهو الشاهد رقم [ 308 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، والشاهد رقم [ 85 ] من كتابنا فتح ربّ البرية : [ الطويل ] ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي * وهل يعمن من كان في العصر الخالي ؟ وهل يعمن من كان أحدث عهده * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال ؟